عبد الوهاب الشعراني
314
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )
العارف من العقوبة الظاهرة ، كما أن المغفرة أشد عليهم من العقوبة وذلك لأن العقوبة جزاء فيجد العبد الراحة عند الاستيفاء منه فهو بمنزلة من أوفى دينه والغفران ليس كذلك فلا يزال العارف ملازم الخجل والحياء مدة طويلة وذلك أشد من العقوبة الشديدة في يوم وتنقضي . كما قال تعالى : وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [ البقرة : 191 ] . ولهذا المعنى الذي ذكرناه كان الحق تعالى إذا اعتنى بعبده وغفر له ذنبه أحال بينه وبين تذكره وأنساه إياه لأنه لو تذكر لاستحى ولا عذاب على النفوس الشريفة أعظم من أن ينعم عليها من هي مسيئة في حقه حتى إن صاحب الحياء يود أنه لم يكن شيئا مذكورا كما قالت الكاملة : يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا [ مريم : 23 ] مع أن حياءها إنما كان من المخلوقين حين نسبوا إليها ما لا يليق بها ولا بأبيها وأمها ، كما أشار إليه قوله تعالى : ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [ مريم : 28 ] فبرأها اللّه تعالى مما نسب إليها لأجل ما نالها من عذاب الحياء من قومها فكيف بالحياء من رب العالمين فيما يحققه العبد من تعدي حدود ومجاهرته بالمعاصي . ( فإن قلت ) : فهل يلزم من كون الحق تعالى ينسى عنده سيئاته أن تكون بدلت بحسنات كما أشار إليه في قوله تعالى : فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [ الفرقان : 70 ] . ( فالجواب ) : لا يلزم ذلك ، ولكن قال بعض العارفين : إن في نسيان العبد ذنوبه بالكلية بشرى عظيمة من اللّه بأنه بدل سيئاته حسنات فإن من علامة التبديل نسيان الذنب ، وذلك أن الذنب إذا بدله اللّه بحسنات لم يبق للذنب صورة وجود من الوجودات الأربعة . ويؤيد ذلك قول بعض العارفين : كل ذنب لم يذهب من ذهن الإنسان فليحدث له توبة جديدة فإنه إلى الآن لم يبدل وليكثر من الاستغفار طول عمره فواللّه ما خلقنا إلا لأمر عظيم . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه تعالى يقول : « إنما أنسى اللّه تعالى خواص أوليائه ذنوبهم رحمة بهم لأن العبد كلما تذكر ذنبه فكأنه يجعل بينه وبين اللّه تعالى صورة قبيحة تؤذن بالبعد » . ولهذا قالوا : ذكر الجفاء في وقت الصفاء جفاء انتهى . وسمعت أخي أفضل الدين رحمه اللّه تعالى يقول : لما أنزل اللّه تعالى على محمد صلى اللّه عليه وسلم ، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [ الفتح : 2 ] كان ذكر الذنب عليه أشد من الذنب لصفاء الحضرة التي كان فيها على أن تلك الذنوب لا يتعقلها مثلنا كما مر . لأنها ذنوب بالنظر إلى مقامه الشريف من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين ،